محمد رأفت سعيد
143
تاريخ نزول القرآن الكريم
العمل إذن ؟ فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « كل عامل ميسر لعمله » رواه ابن جرير ورواه مسلم عن أبي الطاهرة . ومنها ما رواه ابن جرير كذلك عن بشير بن كعب العدوي قال : سأل غلامان شابان النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالا : يا رسول الله أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو في شئ يستأنف ؟ ، فقال : « بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير » ، قالا : ففيم العمل إذا ؟ قال : « اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له » ، قالا : نجدّ ونعمل . وهذا الفهم وتلك الاستجابة من الشابين هي المقصودة ، أن نجدّ ونعمل بما أمرنا . ومن هذه القيم البذل والعطاء حتى يتكافل الناس ولا يقع إنسان في آلامه صريع الحاجة ، روى ابن جرير عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من يوم غربت فيه شمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين : اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا » ، وأنزل الله في ذلك القرآن : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ( 10 ) ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه « 1 » عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله . ونتابع القول في سورة الليل وما تضمنته من معان وقيم ، يقول الله تعالى : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 ) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى ( 21 ) . فمن هذه القيم العظيمة التي ترسيها هذه السورة ، الاطمئنان إلى فضل الله بعباده ورحمته بخلقه في هداية الفطرة من ناحية ، فهو الذي خلق فسوى وقدّر فهدى ، كما مر بنا في السورة السابقة ، ومن فضله كذلك ما بينه لخلقه من الهداية بإرسال الرسل بالكتب والآيات حتى لا يكون هناك حجة لأحد . والقيمة الأخرى التي يطمئن بها قلب المؤمن أن الكل لله ، والآخرة والأولى لله فهو المالك والمتصرف فيهما ، وهذا ما أكد عليه في أكثر من سورة سابقة فهو رب العالمين ومالك يوم الدين وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 ) وسيأتي هذا بعد ذلك في
--> ( 1 ) ابن كثير 4 / 518 ، 519 .